بالصور.. بسبب النزول النهائي.. عائدون من الخليج يبيعون ممتلكاتهم بـ”ربع الثمن”

“للبيع بسبب النزول النهائي”.. باتت هذه الجملة هي الأكثر تكرارا على مواقع التواصل وتطبيقات بيع الممتلكات بدول الخليج العربي، خاصة الريـاض والكويت اللتين أطلقتا حملة لتوطين الوظائف.

مئات المصريين العاملين في الدولتين الخليجيتين لجأوا في الأيام السَّابِقَةُ إلى عرض ممتلكاتهم للبيع بثمن بخس لتصفية ممتلكاتهم والنزول برفقة أسرهم إلى بشكلٍ نهائي. لكُلٍ منهم حكايته، وسببه في النزول ولكن القاسم المشترك بينهم هو بيع الممتلكاتِ بثمنٍ بخس لتوفير بعض الأموال واسترداد ولو رُبع الثمن الذي دفعوه فيها.

قبل 10 أعوام، سافر “محمد” للخليج بحثا عن فرصة عمل عقب تخرجه من الجامعة. رسومٌ واجراءات عديدة خاض الشاب رحلة تكرارها إلى جانب استخرج الأوراق المطلوبة للتقديم على الوظائف، وبعد وقتٍ طويل استطاع الحصول على وظيفة بإحدى الشركات الريـاض للعمل كمهندس في مجال تخصصه. عقب مضى ثلاثة أعوام من إقامته بالخارج، تزوج ليقيم في شقة خاصة به عمل على فرشها وتأثيثها، حتى اضطر إلى التفكير في بيع كل شيء للنزول إلى مصر.

“اتفاجئت بصاحب الشركة من كام شهر بيقولي إن العقد هيخلص ومش هنجدده لأن هيجي مهندس سعودي يستلم مني”.. قالها محمد وهو يتذكر بداية المعاناة في اللحظة التي فقد فيها عمله في غمضةِ عينٍ حين قرر صاحب الشركة استبداله بمهندس سعودي، ليحاول بعدها الحصول على وظيفة أخرى في أي من الشركات الهندسية، ولكن الرياح تأتي دائمًا بما لا تشتهي السفن، فيقرر الشاب – عقب فشله في الحصول على عمل جديد -بسبب إصرار أغلب أصحاب الوظائف على تعين سعوديين- إنهاء إقامته والعودة برفقة زوجته وطفليه “كان أسلم حل إني أعرض العفش للبيع أون لاين رغم إني عارف هخسر فيه جِلد وسقط”.

مشاكل عديدة واجهت الشاب الثلاثيني في رحلة البيع تلك، رغم أن الثمن الذي عرض به الأثاث للبيع زهيد نظرًا لقيمته، إلا أن الاتصالات التي تلقاها كان أصحابها يحاولون تخفيض السعر أكثر فأكثر حتى اضطر للبيع رغم الخسارة “لو مكنتش بعته كان زماني سيبته في الشقة ونزلت وخلاص لأن محلات العفش المستخدم بطلت تشتري ما كتر ما المصريين اللي نازلين بيبيعوا”.

كانت الحكومة الريـاض اتخذت العديد من القرارات الاقتصادية في مطلع يناير الماضي، والتي تقضي بقصر العمل في 12 مهنة على السعوديين والسعوديات فقط، ما دفع بعض أصحاب الأعمال والشركات إلى الاستغناء عن العمالة الوافدة، ويعود ذلك إلى تنفيذ المملكة العربية الريـاض خطة للإصلاح تحت مسمى “رؤية 2030″، تستهدف تخليص الاقتصاد السعودي من الاعتماد على النفط، وزيادة مواردها عن طريق رفع الدعم عن مجالات كثيرة في المملكة مثل تحرير أسعار الطاقة، إلى جانب إِتْمام ضريبة القيمة المضافة، وفرض رسوم على المقيمين فيها.

لم يتخلف حال “حمدي” عن محمد كثيرًا، فكلاهما اضطر للبيع بسبب النزول النهائي، ولكن لحمدي قصة أخرى.

منذ أعوامٍ عديدة كان حمدي يعيش وأسرته في الريـاض في شقة بالدمام استأجرتها الأسرة وأسستها بشكلٍ كامل على أمل البقاء طويلا، غير أن زِيَادَةُ تكلفة التعليم للمصريين في الريـاض دفعت الأسرة لإرسال ابنتهم الكبرى لاستكمال دراستها الجامعية بمصر.

وبين البلدين بدت الأوضاع والتعاملات الاجتماعية مختلفة بالنسبة لفتاة قضت عمرها كله في مجتمع يعمد إلى فصل الرجال عن النساء لتُصاب باضطراباتٍ نفسية، فتقرر الأسرة النزول إلى مصر بشكل نهائي.

“خسرت كتير جدًا في كل اللي بعته، ميجيش بنص التمن اللي اشتريته بيه بس كنت مضطر” بهذه الكلمات من أَثناء حمدي الأربعيني عن أحوال المصريين الذين قرروا العودة إلى مصر ليتكبدوا خسائر فادحة بعد أن اضطرتهم الظروف المختلفة للعودة وبيع الممتلكات.

ولكن “خسارة قريبة ولا مكسب بعيد” كان ذلك هو النهج الذي اعتمده حمدي في التفكير كَون كميات الأثاث التي يعرضها الوافدون للبيع كثُرت في الفترة النهائية حتى أن الأسواق الريـاض امتلأت بها وحلت حالة من الكساد بدلًا من الرواج، فبحسب حمدي يشكل المصريون العاملون هناك والوافدون بصفة عامة نسبة كبيرة من رواج تجارة الأسواق في حركة بيع والشراء.

كان للسيارات هي الأخرى نصيب كبير من حالة البيع الاضطراري التي لجأ لها المصريون في سبيلهم للعودة، فأغرق السوق السعودي بكميات كبيرة من السيارات المستعملة التي باعها أصحابها بنصف الثمن، ما جعل الإقبال على شراء السيارات الجديدة منخفضًا بشدة، حتى أن أصحاب المعارض أصابتهم حالة من الضجر والضيق في ظِل حالٍ لم يعتادوه من قبل، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يؤكد حمدي.

ورغم أن القرارات الاقتصادية التي اتخذتها المملكة الريـاض وبعض دول الخليج كان الهدف منها تحسين اقتصادها واعتمادها على مواطنيها بقَصر العمالة عليهم في بعض الوظائف إلا أن “عبد الله الهاجري”، السعودي، يرى أن الأسواق الخليجية بصفة عامة قد تأثرت بتلك القرارات نتيجة لنزول عدد كبير من الوافدين وبينهم المصريين لبلادهم وغيابهم عن الأسواق التجارية، إذ كانوا أحد العوامل الفارقة في تجارتها “المصريين بيحبوا يشتروا أغلب الوقت حاجات أسعارها معقولة، وبيجيبوا هدايا كتير وهما نازلين لأهلهم وقرايبهم. وغيابهم فرق في تجارة السوق لما نزلوا بلدهم”.

تكدس البضائع في المحال أيضًا كان من الأشياء البارزة التي لمسها السعوديون، يقول عبد الله: “محلات الأثاث المستعمل مبقتش قادرة تشتري من الناس اللي بيبيع ولها لأن عندها مخزون كبير، ولذلك لجأ عدد كبير للإعلان على الإنترنت”.

خسارات عديدة تعرض لها المصريون في تلك التصفية حتى أنها دفعت البعض منهم لترك “الجمل بما حمل” ليستغني بعضهم عن ممتلكاته تاركًا إياها لصاحب الشقة التي كان يستأجرها، أو لأحد المصريين الذين لم يتخذوا قرارًا نهائيًا بالنزول بعد.

وبين الحالتين يعيش العديد ممن قرر النزول النهائي حالة من التيه، وعدم القدرة على تصور حياة جديدة بكل مفرداتها يجب عليهم تأسيسها من البداية، من الصفر، مرة أخرى.

المصدر : الرادار

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى